حكمة اليوم

قرأنا لك

الخطوات الثمانية لتصميم برامج تدريبية فعالة - عبد الرحمن محمد المحمدي... المزيد

قائمة المراسلة
الاسم
البريد
الجوال

مشاهدة : 1910

الإدارة في ظلال السيرة:القائد وقمة التوازن الداخلى (7)

الإدارة في ظلال السيرة:القائد وقمة التوازن الداخلى
أ.د. محمد المحمدى الماضى
أستاذ إدارة الإستراتيجية بجامعة القاهرة
www.almohamady.com

--------------------------------------------------

إن من أعظم الظواهر الإنسانية التى حيرت الدنيا على مر التاريخ هى القيادة . فالقادة العظام هم الذين يغيرون وجه الأرض،وعلى قدر عظمة هذه القيادة يتغير وجه التاريخ نفسه .
ولذلك ظلت الدراسات متواصلة لدى العلماء والفلاسفة، ولا زالت، محاولة فهم سر القيادة الناجحة.
ونظراً لأن شخصية الرسول صل الله عليه وسلم قد توافق معظم علماء القيادة شرقاً وغرباً على عظمتها وتبؤها مكانة متقدمة على سائر القادة العظام على مر التاريخ، لدرجة أن (جون أدير) فى كتابه "قيادة النبى محمد" الذى حاز على جائزة أفضل مؤلف فى القيادة من معهد الإدارة البريطانى 2011، قد خصص فيه فصلاً عن نظرية جديدة سماها القائد النموذجي العالمى ، باعتبار أن ما توصل إليه من دراسة الشخصية القيادية للرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر أساساً عالمياً نموذجياً للقيادة الناجحة فى أى زمان ومكان .
ونظراً لأن أى قائد يستمد عظمته من شخصيته ، وطبيعة تكوينه ، وما توافر له من عوامل التنشئة والإعداد الصحيح فى الوقت الصحيح ، وهو ما أشرنا إلى بعضه سابقاً ، فإننى سوف أحاول فى هذه المقالة التركيز على بعض مما تكشف حتى الآن من قوة التوازن الداخلى للشخصية القيادية ومدى ما توافر منها فى شخصية الرسول صل الله عليه وسلم كأساس مهم للنجاح سواء فى قيادة الذات أو قيادة الآخرين ، حيث يعتمد التوازن الداخلى لأى شخصية عامة ، وللقيادة بشكل خاص على مدى التوازن فى شحن الطاقات الأربع المحركة للنجاح والتميز ، وهى الطاقة الجسمانية ، والطاقة الروحية ، والطاقة النفسية ، والطاقة الذهنية ، وعلى أساس التوازن فى إدارة هذه الطاقات وتوافرها بشكل صحيح ومتوازن يكون نجاح القيادة وفعاليتها .
ولو حاولنا تتبع مدى توافر وتوازن هذه الطاقات لدى الرسول صل الله عليه وسلم قبل بعثته، واستمراره بعدها، فإننا سوف نجد الأدلة الكاملة على ذلك فى سيرته.
 فالطاقة الجسمانية يتم إشباعها وتوازنها من خلال عدة أنشطة أهمها التوازن فى الغذاء ،  والنوم والرياضة البدنية  المنتظمة للحفاظ عليها بشكل متكامل وصحي .
وحينما ننظر إلى أسلوب تعامل الرسول صل الله عليه وسلم مع هذه الطاقة فسوف نجد أنه قد امتلك أهم مفاتحها ، فالطعام والشراب عنده لم يكن إلا بقدر الحاجة دون زيادة أو نقصان ، لدرجة أنه فى ألمانيا يضعون باللغة الألمانية لوحة إعلانية مكتوباً عليها حديثه صلى الله عليه وسلم : "بحسب ابن آدم لقيمات ، فإن كان ولا بد فاعل ، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" وذيلوها بـ "حكمة عربية" .  حيث جمعت هذه المقولة أساس الصحة الغذائية المنعكسة على صحة الطاقة الجسمانية ، فإذا أضفنا إلى ذلك عادات النوم المبكر ، والاستيقاظ المبكر ، والنشاط والتدريب البدنى سواء فى العمل أو التدريب على فنون الحرب والقتال فى الشباب ، فإن ذلك جعل من هذه الطاقة لديه صل الله عليه وسلم فى أكمل توازنها ، ولم يكن ذلك شيئاً عابراً ، بل تكون كعادات صحيحة راسخة منذ نشأته المبكرة واستمر طوال حياته .
أما عن الطاقة الروحية فإن ما توافر من كمالات شحنها حتى قبل البعثة لم يكن بالشىء اليسير ، ويكفى أن نذكر مثالاً واحداً لهذا الأمر وهو تلك العادة التى لم تعرف عن أحد سوى محمد صل الله عليه وسلم قبل بعثته وهى خلوته شهراً من كل عام فى غار حراء .
إن تلك العادة لها دلالات ومعايير كثيرة وعظيمة فى صوغ شخصية قيادية على درجة عالية من التمتع بصفاء الروح ، وصفاء الفكر والذهن ، وعمق النظر والتأمل فى الكليات والبعد عن الاستغراق فى التفاصيل والجزئيات .
إن مثل هذه السياحة الروحية ، حيث يخلو الإنسان بنفسه متصلاً بما حوله من مكونات الكون الرحب الفسيح؛ من سماوات وأرض، نافذاً فى كنهها وأبعادها من خلال البصيرة قبل البصر ، والفكر قبل العضل ، والروح قبل الحواس ، تمثل تعميقاً للنضج الروحى والذهنى والنفس بأعلى درجاته وكمالاته ، بل ويعتبر من أهم ما يجب أن تعد عليه القيادة الإستراتيجية التى تعتبر طبيعة عملها ذهنية كلية غير متكررة ، وهذا الجانب من الإعداد قلما يتوافر له وسيلة من وسائل الإعداد المناسبة ، ولذلك نجد كثيراً من القيادات الإستراتيجية فى أعلى مستويات الإدارة مستغرقة فى التفاصيل والجزئيات أكثر من الإجماليات والكليات .
إن ما ناله الرسول صل الله عليه وسلم في هذا الجانب من الإعداد الربانى الفطرى قد أشبع الطاقة الروحية ، بل الذهنية بشكل كبير.
 بما له من إنعكاس واضح ومباشر أيضاً على الطاقة النفسية ، التى تكونت منذ البداية متوافر لها كافة عوامل الإشباع النفسى والعاطفى كما سبق أن ذكرنا منذ بداية المولد واستقباله للحياة فى عطف وحنان منقطع النظير من كل من حوله، سواء كانت أمه أو أعمامه وعماته وسائر عشيرته ، أو جده الذى وفر له درجة عالية من الإشباع النفسى والعاطفى ، وعمق الذات وتأصيلها القيادي، لدرجة أنه قد بنى عنده منذ الطفولة شدة الاعتداد والثقة بالنفس وفطرية القيادة نظراً لمعايشته لمجالسه التى لم يكن يرتادها إلا الكبار من القيادات ولم يُسمح لحضورها من الأطفال سوى لمحمد صل الله عليه وسلم.
ولعلنا نلحظ أن استدعاء الرسول صل الله عليه وسلم لشخصية جده بعد ذلك كان واضحاً وخاصة فى الملمات والأخطار ، مثلما حدث يوم حنين بعد انكشاف وتراجع جنود المسلمين ، حيث نادى الرسول حينئذ قائلاً : "أنا النبى لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب" لم يقل ابن عبد الله ولكنه قال ابن عبد المطلب ، الذى عرف بزعامته ومكانته وشجاعته ، وما كان يكنه الرسول فى نفسه تجاهه وما تعلمه وتشربه منه.
 وما أرد توصيله بأنه ليس فقط النبى الصادق ، ولكنه أيضاً قائد شجاع جدير ، حفيد قائد وزعيم جدير، تكن له العرب كل الاحترام والتقدير .
 
إننا وبكل اطمئنان نستطيع أن نقرر أن كافة متطلبات التوازن الداخلى الذى هو أساس القيادة الناجحة المتوازنة ، من شحن لكافة الطاقات الروحية ، والجسدية والنفسية والذهنية وتكاملها، قد توافر فى شخصية محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وتهيأت له كافة متطلبات تكوينه واستمراره كعادات راسخة وثابتة ، ثم تأصيلها وتعميقها بعد ذلك ،بل والالتزام بمراعاتها وإدارتها بشكل متوازن ومستمر له شخصيا ولكل من حوله من أتباع باعتبار أن تكاملية وتوازن تلك الطقات هي أساس التوازن المتكامل للشخصية التي تحقق أعلى درجات المبادرة والانجاز في كل ما يمكن أن يسند إليها من مهام؛ ليكون بمثابة أعظم قائد لخير أمة.
فهل نتعلم أن قيادة أى أمر أمانة تحتاج إلى من أُعد لها أفضل إعداد ؟ ، وأنه لا يصلح لذلك أى شخص، وأن يتحمل كل منا مسؤلية من يرشحه لتولي أي مسئولية، ونتعلم كيف نُعد القيادات الجديدة والكفء منذ نعومة أظفارها لبناء مصر العظيمة التي نحلم بها؟

 للحديث بقية

www.almohamady.com

 

   
عدد التعليقات 5

1
الشمول فى النظر لاعداد الشخصية المسلمة الادارية
كتب :hammouda
بتاريخ: الثلاثاء 30 ديسمبر 2014 الساعة 10:00 صباحاً
جزاك الله خيرا على هذا التوضيح لشموله فى النظر لكيفية اعداد الشخصية المسلمة الادارية الناجحة فاول مرة اقرا هذا التوازن جزاك الله خيرا
2
الشمول فى النظر لاعداد الشخصية المسلمة الادارية
كتب :hammouda
بتاريخ: الثلاثاء 30 ديسمبر 2014 الساعة 09:59 صباحاً
جزاك الله خيرا على هذا التوضيح لشموله فى النظر لكيفية اعداد الشخصية المسلمة الادارية الناجحة فاول مرة اقرا هذا التوازن جزاك الله خيرا
3
الشمول فى النظر لاعداد الشخصية المسلمة الادارية
كتب :hammouda
بتاريخ: الثلاثاء 30 ديسمبر 2014 الساعة 09:59 صباحاً
جزاك الله خيرا على هذا التوضيح لشموله فى النظر لكيفية اعداد الشخصية المسلمة الادارية الناجحة فاول مرة اقرا هذا التوازن جزاك الله خيرا
4
Leaders
كتب :نجوى عفيفى
بتاريخ: الجمعة 26 ديسمبر 2014 الساعة 02:03 صباحاً
د. انا معجبة بطريقة حضرتك فى البحث العلمى تضع لنا السؤال والإجابة فى نفس الوقت ومن الذى يرى ويفكر؟ شكرا لك ونفخر بحضرتك استاذنا. جزاك الله عنا كل خير.
5
Lesders
كتب :نجوى عفيفى
بتاريخ: الجمعة 26 ديسمبر 2014 الساعة 01:57 صباحاً
د. انا معجبة بطريقة حضرتك فى البحث العلمى تضع لنا السؤال والإجابة فى نفس الوقت ومن الذى يرى ويفكر؟ شكرا لك ونفخر بحضرتك استاذنا. جزاك الله عنا كل خير.
أضف تعليق
الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
أدخل حاصل جمع